روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
32
عرائس البيان في حقائق القرآن
جرى على صورته من الزلّات ، فإن المؤمن إذا باشر معصية ندم ، وغص بتلك المعصية له ، وصار مراما منغّصا بندامته ، ويذوب قلبه رجاء ربه ، وكانت معصيته طاعة ، وعدهم بالجنّات ، وقلوبهم في جنّات المشاهدة ، فكيف يلتفتون إلى الجنّة ؟ ووعدهم بالمساكين الطيبة ، وهم ساكنون بأرواحهم في مشاهدة جماله وقربه ووصاله ، ويجري عليهم واردات لذّة خطابه ، ولذيذ لطائف نوره ، وطابت نفوسهم في مساكن طاعاته ، باسترواحهم بنسيم مروجه رجاء وصاله ، وطابت عقولهم بدورانها في أنوار آياته ، وطابت قلوبهم بشهودها على مشارب صفاته ، فتشرب منها شربات المحبّة ، وتسكر برؤيتها بنعت الحيرة . وطابت أرواحهم بطيرانها في سبحات ذاته ، بأجنحة رضوانه ، فهي تعلّق أبدا إلى مساكن كشف قدمه ، وجلال سرمدية رضوانه الأكبر ، بتنسّم صبح الصفات في وجوه الهائمين في محبّة مشاهدة الذات . يا أخي هؤلاء في الدنيا في طيب مساكن الوصلة ، وجنّات عدن القربة ، وما داموا ها هنا في هذه الغربة ، وجدوا ما يعاين لأهل الوعد ، فلا يبالون بالغد ، فإنّ قلب جميع المساكن لا يكون إلا برؤيته وجماله ، ومن أدرك ذلك كيف يلتفت إلى حسن النظر ، وطيب المسكن ؟ ، وإن كان في موضع وحش ، وأنشد : تمنّيت من حبّي بثينة أنّنا * على مدمّت في البحر ليس لنا وفي كلّ موضع لم يكن مما وصفنا به أثر * فهو خراب مستوحش وإن كان الجنة أجيراننا ما أوحش الدار بعدكم * إذا غبتم عنها ونحن حضور وإنّي لأهوى الدار ولا يستقرني * بها الردّ إلّا أنها من دياركا ويقال : قوم يطيب مسكنه بوجود عطائه * وقوم يطيب مسكنه بشهود لقائه وقال الأستاذ : أمارة هذا الرضوان ، وجدان طعمه فقدا ، فهو في روح الأنس ، وروح الأنس لا تتقاصر عن راحة دار القدس ، بل هو أتمّ وأعظم ، ثم حثّ نبيّه عليه السلام ، بجهاد من حاله يخالف حال هؤلاء ، حتى يطهر وجه الأرض من الأغيار ، وذلك من غيرة الجبار على أهل تلك الدار . [ تفسير الآية 73 ] بقوله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ « 1 » .
--> ( 1 ) قال التستري ( 1 / 205 ) : جاهد نفسك بسيف المخالفة وحملها حمولات الندم ، وسيرها في مفاوز